ابن أبي العز الحنفي
559
شرح العقيدة الطحاوية
ويقدر على ما أقدره عليه من الأمور المخالفة للعادة المطردة أو لعادة أغلب الناس فجميع المعجزات والكرامات ما تخرج عن هذه الأنواع ثم الخارق إن حصل به فائدة مطلوبة في الدين كان من الأعمال الصالحة المأمور بها دينا وشرعا إما واجب أو مستحب وإن حصل به أمر مباح كان من نعم الله الدنيوية التي تقتضي شكرا وإن كان على وجه يتضمن ما هو منهي عنه نهي تحريم أو نهي تنزيه كان سببا للعذاب أو البغض كالذي أوتي الآيات فانسلخ منها بلعام بن باعورا لاجتهاد أو تقليد أو نقص عقل أو علم أو غلبة حال أو عجز أو ضرورة فالخارق ثلاثة أنواع محمود في الدين ومذموم ومباح فإن كان المباح فيه منفعة كان نعمة وإلا فهو كسائر المباحات التي لا منفعة فيها قال أبو علي الجوزجاني كن طالبا للاستقامة لا طالبا للكرامة فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة وربك يطلب منك الاستقامة قال الشيخ السهروردي في عوارفه وهذا أصل كبير في الباب فإن كثير من المجتهدين المتعبدين سمعوا السلف الصالحين المتقدمين وما منحوا به من الكرامات وخوارق العادات فنفوسهم لا تزال تتطلع إلى شيء من ذلك ويحبون أن يرزقوا شيئا منه ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب متهما لنفسه في صحة عمله حيث لم يحصل له خارق ولو علموا بسر ذلك لهان عليهم الأمر فيعلم أن الله يفتح على بعض المجاهدين الصادقين من ذلك بابا والحكمة فيه أن يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة يقينا فيقوى عزمه على الزهد في الدنيا والخروج عن دواعي الهوى فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة في كل الكرامة ولا ريب لأن للقلوب من التأثير أعظم مما للأبدان لكن إن كانت